هل تستطيع المعارضة الوقوف في وجه التحديات الماثلة أمام السودان؟

10 يوليو 2013

بعد أسبوعين من اندلاع أوسع الاحتجاجات الشعبية وأكثرها تعرضاً للقمع التي واجهها نظام حزب المؤتمر الوطني: ما هي الخطوة التالية للسودان؟ أملا في توفير عناصر الإجابة على هذا السؤال الكبير، يقدم هذا العدد من أخبار السودان لمجموعة الديمقراطية أولا لمحة عامة عن المواقف المختلفة للفاعلين في هذه اللحظة الحرجة.

كانت الاحتجاجات عفوية إلى حد كبير، يغذيها رفض الشعب السوداني دفع ثمن فشل حكم نظام المؤتمر الوطني، وفساده المستشري، وإنفاقه بإسراف على القطاع الأمني على حساب الإنفاق على التنمية والخدمات الاجتماعية. وتشير العديد من أشرطة الفيديو والصور المنشورة على الانترنت إلى أن الاحتجاجات قد ضمت جماهير من الطلاب والشباب العاطلين عن العمل والأشخاص العاديين في الأحياء السكنية الذين يتحملون وطأة ارتفاع تكاليف المعيشة في السودان. وقد تم توثيق الاحتجاجات في العديد من الأحياء في الخرطوم، مثل الكلاكلة، جبرة، الحاج يوسف، شمبات، الدروشاب، بري، ودنوباوي، من بين أحياء أخرى. كما وردت أنباء عن احتجاجات خارج ولاية الخرطوم، في نيالا وعطبرة وكسلا والقضارف، ود مدني وبورتسودان. وفي حين ليس هنالك  ما يشي بكيف سوف يدرأ النظام الانهيار الاقتصادي الذي أنذر الناس انه على الأبواب اذا لم يُرفع الدعم، أو يعالج بواعث قلق المحتجين، قد تكون هذه الاحتجاجات المستمرة مقدمة لمزيد من انفجارات سخط الجمهور بل لحملات أكثر دموية. (عنوان الكريكاتير:

عكس شعار حمله أحد المتظاهرين بوضوح الأزمة التي يمر بها النظام والمعارضة السياسية على حد سواء: ” لست ’مخربا‘؛ لست سياسيا؛ أريد فقط إسقاط النظام.” لقد قوضت الأحداث الأخيرة شرعية وشعبية النظام إلى حد كبير. ومع ذلك، فإن المعارضة السياسية والمسلحة تواجه تحديات جمة في كسب ثقة وتأييد الشعب بشكل عام. وبالنسبة للمحتجين، فإنه على الجهات المعارضة التقليدية فى وسط وشمال السودان تقديم جبهة موحدة وبرامج إصلاح واضحة لتحشد الجماهير من خلفها. وخلال أسبوع واحد من الاحتجاجات، صعدت أحزاب المعارضة ومجموعات الشباب، والجمعيات المهنية جهودها لتقوم بذلك ولتوحيد الأهداف السياسية للاحتجاجات. وأيضا قدمت المعارضة المسلحة ممثلة في الجبهة الثورية السودانية عرضا لتحالف سياسي واسع ووقف لإطلاق النار من جانب واحد إذا نجحت الاحتجاجات في إسقاط النظام.

قوى المعارضة السياسية

أعلن الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي في حشد لتأبين ضحايا الاحتجاجات إلتأم في مقر الحزب في 1 أكتوبر أن نظام حزب المؤتمر الوطني قد شارف على الزوال. وقد أطلق دعوة لـ “تغيير النظام” تحت مظلة “جبهة ميثاق وطني” توافقية للاشراف على العملية الانتقالية. وانتقد المهدي تعامل الحكومة مع المظاهرات، ودعا أنصاره للانضمام إلى الاحتجاجات الجارية في الشوارع. تقاعس المهدي عن تأييده للدعوة إلى إسقاط النظام، مما عزز شكوك من يعتقدون أن حزب المؤتمر الوطني الحاكم لن يتنازل طوعا عن السلطة، بما في ذلك العديد من أعضاء حزب الأمة القومي، ولا يُرجح أن يحترم الاتفاقيات التي يوقعها مع القوى الأخرى. تخللت خطاب المهدي مقاطعات عديدة من أنصاره، تعبيرا عن سخطهم تجاه ما اعتبروه غموضا في موقفه، وقد تفاقم هذا الغموض بسبب دور ابنه ووريثه الواضح كمستشار للرئيس البشير والموقف الآخر لأحد أبنائه كقيادي بارز في جهاز الأمن والمخابرات الوطني القمعي.

(الصورة: لافتة خلال ذكرى الشهداء التي أقيمت في المقر الرئيسي لحزب الأمة؛ المصدر: رصد السودان)

قام أعضاء الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي يتزعمه محمد عثمان الميرغني، وهو تيار الحزب الوحيد المشارك في الحكومة التي يهيمن عليها حزب المؤتمر الوطني، بالمطالبة بإعادة دعم المحرقات. وبعد أن رفض حزب المؤتمر الوطني الاستجابة لمطالبه، أشارت تصريحات عدد من قادة الحزب الاتحادي الديمقراطي البارز إلى أن الحزب الاتحادي الديمقراطي على استعداد للنظر في الانسحاب من الحكومة. ومع ذلك، فقد أشار قادة آخرون في وقت كتابة هذا التقرير إلى أن ذلك  قد لا يحدث، وعلى الحزب مع ذلك الانسحاب فعلاً من الحكومة. انضم حسن الترابي زعيم حزب المؤتمر الشعبي إلى حزب الأمة، ودعا أنصاره إلى الانضمام إلى الاحتجاجات. وفي مقابلة تلفزيونية، حذر الترابي من التفكك المستمر للدولة، وإذا واصل البشير تمسكه بالسلطة.

ومن داخل صفوف حزب المؤتمر الوطني، قامت مجموعة مكونة من 31 من كبار قادته، بما في ذلك أربعة من أعضاء المكتب السياسي، تدعي تمثيل الفرع الإصلاحي للنظام، بنشر رسالة تدعو إلى إعادة دعم المحروقات وتنتقد حملة القمع الوحشي على المتظاهرين. وانتقاما منه لذلك، قام الرئيس البشير بتأسيس لجنة للتحقيق مع الموقعين، إظهارا للجدية التي يتعامل بها الحزب مع الإنقسام. ومن جهة أخرى، أصدرت سائحون، وهي مجموعة من الساخطين، وأعضاء سابقين في قوات الدفاع الشعبي والجيش، بيانا ينتقد سوء الإدارة الاقتصادية للحكومة ويدعو أنصارها للانضمام إلى المحتجين في الشارع. ومنذ ظهورها في عام 2012، ظلت سائحون تعبر بصراحة شديدة عن انتقادها للحكومة وقد اتهمت بتدبير المحاولة الانقلابية التي تمت في نوفمبر عام 2012. أشار عبد الغني أحمد إدريس، المتحدث باسم المجموعة، إلى أنها لم تعد تعتبر نفسها كحركة إصلاح داخل حزب المؤتمر الوطني وأوحى بأنها تنظر في خيارات أخرى. (الصورة: غازي صلاح الدين العتباني، المصدر: سودان تريبيون).

أعلنت الجبهة الثورية السودانية، وهي تحالف  يتألف من حركة تحرير السودان- قطاع الشمال، وحركة العدل والمساواة، وجيش تحرير السودان جناح عبد الواحد، وجيش تحرير السودان جناح مني مناوي، أنها “سوف تنظر في وضع خطة عسكرية تشمل كل ما من شأنه تعزيز الإنتفاضة السلمية وتعجيل عملية التغيير،” بدون أن أن تقدم تفاصيل كثيرة. وقد أعلنت أيضا أنها ستوافق على وفق إطلاق النار وستنخرط في العملية السياسية المدنية عندما يسقط النظام. بالإضافة إلى ذلك، أعلنت الجبهة الثورية السودانية أن مجموعة متمردة من شرق السودان تسمى الجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة قد انضمت إلى صفوفها.

رد فعل النظام

رفض حزب المؤتمر الوطني الرضوخ لضغط الشارع والقوى السياسية المختلفة والتراجع عن قراره بإزالة الدعم عن المحروقات، التي تسببت في الاحتجاجات. وفي الأول من شهر أكتوبر أعلن الرئيس البشير في خطاب متلفز مرتدياً زيه العسكري الكامل، أن الاحتجاجات مؤامرة أجنبية تقودها مصالح خارجية. واستمرت الحكومة في توسيع نطاق حملة الاعتقال التحفظي حيث اعتقلت أعضاء من قوى الإجماع الوطني، وحزب المؤتمر السوداني وأعضاء من المجموعات الشبابية. رفضت الحكومة تحمل مسؤولية إطلاق الرصاص المميت على أكثر من 200 متظاهر حسبما أفاد كبير الاطباء الشرعيين. وفي السادس من أكتوبر، بدأت الحكومة في اطلاق سراح بعض المعتقلات من النساء في محاولة لتهدئة الدعوات المتزايدة لإطلاق سراحهن.

تحليل وتوصيات بشأن السياسات

سوف تملي طبيعة وشدة الاحتجاجات في شوارع المدن الكبرى في السودان، ولا سيما الخرطوم، ما سيتمخض عنه الوضع السياسي. ومع ذلك، فإن رد فعل الحكومة وما إذا كانت المجموعات المعارضة ستأخذ زمام المبادرة ستمثل أمراً حاسماً أيضا. وسوف تكون الأولوية الأولى للحكومة هي مواصلة قمع وسحق الاحتجاجات على الأرض، حيث أنها حاولت بشكل منظم إعاقة أي تنسيق بين قوى المعارضة. ان ظهور البشير بالزي العسكري الكامل على شاشات التلفزيون أمر ذي دلالة، حيث أنه يهدف إلى تبديد أي شائعات تدور حول الإنقسامات داخل الجيش وإظهار سيطرته الكاملة على القوات المسلحة. وسوف تتفاقم الانقسامات داخل النظام فقط إذا استمرت الاحتجاجات على الأرض واكتسبت المزيد من القوة.

التحدي الأكبر الذي يواجه الشباب الساخطين والمجتمع المدني هو كيفية الحفاظ على زخم الاحتجاجات في ظل قمع الحكومة وغياب العمل الحاسم من قبل المعارضة. النظام مصمم على البقاء في السلطة بأي وسيلة والمعارضة تكافح لتوحيد صفوفها وترتيب مهمتها السياسية. علاوة على ذلك، فإن عدم وجود أي مخرج على المدى المنظور من الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد سيؤدي حتما إلى استمرار الاضطرابات في جميع أنحاء السودان. ان سخط الشباب ومنظمات المجتمع المدني واسع النطاق أمر واضح، حيث أن معظم الجماعات تلجأ إلى العمل في الشوارع للمواصلة في التعبئة والضغط على الحكومة. حتى مع فترات الهدوء المؤقت في وتيرة وشدة الاحتجاجات، سوف تظل العوامل التي تغذيها باقية. لا مفر فالمزيد من التعبئة ، والردود العنيفة عليها ستحدث.

لا بد من أن تشجب جميع الجهات الدولية الفاعلة والعاملة في السودان رد فعل الحكومة الوحشي ضد المتظاهرين. وصمت الاتحاد الأفريقي في هذا الصدد أمر يصم الآذان. يجب على الوسطاء وذوي النفوذ على دولة السودان مطالبة الحكومة بالسماح لشعبها بممارسة حقوقه التي كفلها له الدستور بشكل كامل فيما يتعلق بالتجمع السلمي والتعبير عن الرأي. وينبغي أيضا الضغط على الحكومة السودانية من أجل المحاكمة الفورية للمسئولين عن قتل المتظاهرين، والتعويض المناسب لأسر الضحايا والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين أو تقديمهم للمحاكمة فوراً.

على المدى الطويل، يعتمد الاستقرار الاقتصادي والسياسي في السودان على إنخراط عناصر النظام وكافة أطياف المعارضة في عملية إصلاح للحكم الوطني متفاوض عليها تضمن صوتاً لجميع المواطنين السودانيين.